ابن حزم

26

رسائل ابن حزم الأندلسي

وقد كان من الطبيعي اللجوء إلى تلك القسمة الثنائية في النظرة إلى العلوم ، كما كان من الطبيعي التفاوت بين المصنّفين في إيلاء الأهمية أو الأفضلية لهذا القسم من العلوم دون ذاك ؛ وقد استطاع ابن حزم أن يتجاوز حتى مفهوم « التكافؤ » بين الشقين ، حين وضع نصب عينيه أن كلّ شيء يفعله المرء من علم وغيره فيجب أن يقوم بأدائه خالصا للّه ، وعلى أساس هذه الحقيقة نظر إلى أن العلوم كلها تخدم غاية واحدة « وإجهاد المرء نفسه فيما لا ينتفع به إلا في هذه الدار من العلوم رأي فائل وسعي خاسر ، لأن المنتفع به في هذه الدار من العلوم إنما هو ما اكتسب به المال أو ما حفظت به صحة الجسم فقط فهما وجهان لا ثالث لهما » « 1 » ويرى ابن حزم أن العلم ليس أحسن السبل لكسب المال كما أن حفظ صحة الجسد لا بد أن تكون تابعة لحفظ صحة النفس ، ولهذا استطاع أن يوحّد الغاية من خلال تصنيفه فيراها في طلب علم الشريعة ، مثلما كانت سائر العلوم عند المصنفين المتفلسفين في خدمة الفلسفة . فالشريعة تصلح الجسد والنفس معا ، ولهذا فهي مقدمة على الفلسفة التي هي مقصورة على إصلاح الأخلاق النفسية ، ولا يمكن إصلاح أخلاق النفس بالفلسفة دون النبوة إذ طاعة غير الخالق - عز وجل - لا تلزم . والشريعة تحقق غايتين أخريين لا تحققهما الفلسفة ، وهما : ترتيب الوضع الإنساني بدفع التظالم وايجاد الأمن في هذه الدنيا ، والفوز بالنجاة في الآخرة « 2 » . وعلى هذا الأساس لا ترفض الفلسفة بل تندمج مع سائر العلوم في خدمة الشريعة ، ولا ينكر ابن حزم ما لها من فائدة شأنها شأن سائر العلوم النافعة ؛ وبذلك تجاوز ابن حزم التقسيم الثنائي للعلوم ، وهو على وعي به ، ليربط جميع العلوم معا في تعاندها وشد بعضها أزر بعض « فالعلوم كلها متعلق بعضها ببعض » ومن ثم لا يستغني منها علم عن غيره . وفي هذا يتجلى لنا إلى أي حدّ فارق ابن حزم المصنفين المشارقة في الرؤية والتنظير ، وإذا كان ابن عبد البر يلتقي به ، فذلك مما لا غرابة فيه ، فقد كان الرجلان صديقين وبينهما مجالات اللقاء كثيرة في الرواية وتبادل الآراء ، ولعلّ ابن حزم هو صاحب التأثير الواضح في معاصره ، فقد تمت كتاباته في العلوم ومراتبها في دور مبكر ، ونحن نرى في تصوّره رسوخا ووضوحا أقوى من تصوّر ابن عبد البرّ وأشدّ منه احتفالا بالموضوع نفسه . وتبدو جرأة ابن حزم لا في أنه عكس وضع التصنيفات المشرقية وحسب بل في أنه خلافا للاتجاه العام بين

--> ( 1 ) رسالة مراتب العلوم ( الطبعة الأولى ) : 61 ( ضمن رسائل ابن حزم ) . ( 2 ) رسائل ابن حزم : 46 وما بعدها .